الشيخ الطبرسي
400
تفسير مجمع البيان
موضع حضره النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخل من ظفر ، اما في ابتداء الامر ، واما في انتهائه ، وإنما لم يستمر ذلك لما بيناه . وقوله ( وليعلم الله الذين آمنوا ) المفعول الثاني ليعلم محذوف ، وتقديره وتلك الأيام نداولها بين الناس لوجوه من المصالح ، وضروب من الحكمة ، وليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالايمان من غيرهم . وعلى هذا لا يكون يعلم بمعنى يعرف ، لأنه ليس المعنى أنه يعرف الذوات ، بل المعنى أنه يعلم تميزها بالايمان . ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الله الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم أي : يعاملهم معاملة من يعرفهم بهذه الحال . وإذا كان الله تعالى يعلمهم قبل إظهارهم الايمان ، كما يعلمهم بعده ، فإنما يعلم قبل الاظهار أنهم سيميزون ، فإذا أظهروه علمهم متميزين . ويكون التغير حاصلا في المعلوم ، لا في العالم ، كما أن أحدنا يعلم الغد قبل مجيئه ، على معنى أنه سيجئ . فإذا جاء علمه جائيا ، وعلمه يوما لا غدا . فإذا انقضى ، فإنما يعلمه الأمس ، لا يوما ، ولا غدا . ويكون التغير واقعا في المعلوم لا في العالم . وقيل : معناه وليعلم أولياء الله الذين آمنوا ، وإنما أضاف إلى نفسه تفخيما . وقيل : معناه ليظهر المعلوم من صبر من يصبر ، وجزع من يجزع ، وايمان من يؤمن . وقيل : ليظهر المعلوم من الاخلاص والنفاق ، ومعناه : ليعلم الله المؤمن من المنافق ، فاستغنى بذكر أحدهما عن الاخر . وقوله : ( ويتخذ منكم شهداء ) قيل فيه قولان أحدهما : ان معناه ليكرم بالشهادة من قتل يوم أحد ، عن الحسن وقتادة وابن إسحاق والاخر : ويتخذ منكم شهداء على الناس ، بما يكون منهم من العصيان ، لما لكم في ذلك من جلالة القدر ، وعلو المرتبة ، والشهداء يكون جمع شاهد . وجمع شهيد عن أبي علي الجبائي . وإنما سموا شهداء لمشاهدتهم الاعمال التي يشهدون بها . وأما في جمع الشهيد ، فلأنهم بذلوا الروح عند شهود الوقعة ، ولم يفروا . ( والله لا يحب الظالمين ) ظاهر المعنى وفائدته : انه تعالى بين أنه لا يمكن الظالمين منهم لمحبته لهم ، ولكن لأحد المعاني التي ذكرها ، وليمحص ذنوب المؤمنين ، كما قاله فيما بعد . ( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين 141 ) .